أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
108
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 57 إلى 58 ] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 57 ) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ( 58 ) قوله : جَمِيعاً حال من فاعل « فكيدون » ، وأثبت سائر القراء ياء « فَكِيدُونِي » في الحالين ، وحذفوها في المرسلات . و « النّاصية » منبت الشّعر في مقدّم الرّأس ، ويسمّى الشّعر النابت أيضا باسم محله ونصيت الرّجل أخذت بناصيته فلامها واوا ، ويقال : ناصاة بقلب يائها ألفا ، والأخذ بالناصية عبارة عن الغلبة والتّسلط وإن لم يكن آخذا بناصية ، وكذلك كانوا إذا منّوا على أسير جزوا ناصيته . قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا أي : تتولوا فحذف إحدى التاءين ، ولا يجوز أن يكون ماضيا لقوله : « أَبْلَغْتُكُمْ » ولا يجوز أن يدعي فيه الالتفات ، إذ هو ركاكة في التركيب ، وقد جوّز ذلك ابن عطية . فقال : ويحتمل أن يكون « توّلّوا ماضيا » ويجي في الكلام رجوع من غيبة إلى خطاب . قلت : ويجوز أن يكون ماضيا ، لكن لمدرك آخر غير الالتفات ، وهو أن يكون على إضمار القول ، أي : فقل لهم قد أبلغتكم ، ويترجح كونه ماضيا بقراءة عيسى الثقفي والأعرج « فإن تولّوا » بضم التاء واللام مضارع « ولّى » ، والأصل : تولّيوا فأعلّ . قال الزمخشري : « فإن قلت : الإبلاغ كان قبل التولي ، فكيف وقع جزاء للشرط ؟ قلت : معناه فإن تتولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ ، وكنتم محجوجين بأن ما أرسلت به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا التكذيب . قوله : وَيَسْتَخْلِفُ العامة على رفعه استئنافا . وقال أبو البقاء : « هو معطوف على الجواب بالفاء » . وقرأ عبد اللّه بن مسعود بتسكينه وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون سكن تخفيفا لتوالي الحركات . والثاني : أن يكون مجزوما عطفا على الجواب المقترن بالفاء ، إذ محله الجزم ، وهو نظير قوله : فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ وقد تقدم تحقيقه ، إلا أن القراءتين ثم في المتواتر . وقوله : وَلا تَضُرُّونَهُ : العامة على النون ، لأنه مرفوع على ما تقدم وابن مسعود يحذفها ، وهذا يعين أن يكون سكون « يَسْتَخْلِفُ » جزما ، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره ، لأنه ذكر جزم الفعلين ، ولما لم يذكر أبو البقاء الجزم في « تَضُرُّونَهُ » جوّز الوجهين في « يَسْتَخْلِفُ » ، و « شَيْئاً » مصدر أي : شيئا من الضرر . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 59 إلى 62 ] وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 59 ) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ( 60 ) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ( 61 ) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ( 62 )